ابن أبي الحديد

80

شرح نهج البلاغة

والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك ، فقال : يا أبا ، حفص خفض عليك من هنا ومن هنا ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) ( 1 ) فوضع عمر إحدى يديه على الأخرى وأطرق إلى الأرض ، وخرج كأنما ينظر في رماد . قلت : أجدر بهذا الخبر أن يكون موضوعا وفيه ما يدل على ذلك ، من كون عمر أتى عليا يستفتيه في المسألة ، والاخبار كثيرة بأنه ما زال يدعوه إلى منزلة وإلى المسجد ، وأيضا فإن عليا لم يخاطب عمر منذ ولى الخلافة بالكنية وإنما كان يخاطبه بأمره المؤمنين هكذا تنطق كتب الحديث وكتب السير والتواريخ كلها . وأيضا فإن هذا الخبر لم يسند إلى كتاب معين ولا إلى راو معين بل ذكر ذلك أنه قرأه على ظهر كتاب فيكون مجهولا ، والحديث المجهول غير الصحيح . فأما ثناء عمر على أمير المؤمنين فصحيح غير منكر وفى الروايات منه الكثير الواسع ، ولكنا أنكرنا هذا الخبر بعينه خاصة وقد روى عن ابن عباس أيضا ، قال : دخلت على عمر يوما ، فقال : يا بن العباس لقد ، أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته ، رياء . قلت : من هو ؟ فقال : هذا ابن عمك - يعنى عليا - قلت : وما يقصد بالرياء أمير المؤمنين ؟ قال يرشح نفسه بين الناس للخلافة ، قلت : وما يصنع بالترشيح ! قد رشحه لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرفت عنه . قال : إنه كان شابا حدثا فاستصغرت العرب سنه ، وقد كمل الان ، ألم تعلم أن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا بعد الأربعين ! قلت يا أمير المؤمنين ، أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع الله منار الاسلام ، ولكنهم يعدونه محروما مجدودا ، فقال : أما إنه سيليها بعد هياط ومياط ( 2 ) ، ثم تزل فيها قدمه ولا يقضى منها أربه ، ولتكونن شاهدا ذلك يا عبد الله ، ثم يتبين الصبح لذي عينين وتعلم العرب صحة رأى المهاجرين الأولين

--> ( 1 ) سورة النبأ 17 . ( 2 ) في اللسان عن اللحياني : ( الهياط : الاقبال ، والمياط الادبار ) . وقال غيره : ( الهياط : اجماع الناس للصلح ، والمياط : التفرق عن ذلك ) .